العيني
84
عمدة القاري
الجنائز أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن علي بن حجر وعن ابن أبي عمر ، وفي مقدمة كتابه : عن محمد بن عبد الله . وأخرجه الترمذي فيه أيضا عن أحمد بن منيع . ذكر معناه : قوله : ( إن كذبا ) ، بفتح الكاف وكسر الذال ، وبكسر الكاف وسكون الذال ، وكلاهما مصدر : كذب يكذب فهو كاذب وكذاب وكذوب وكيذوبان ومكذبان ومكذبان ومكذبانة وكذبة ، مثل : همزة ، وكذبذب مخفف ، وقد يشدد . والكذب خلاف الصدق ، وقد استوفينا الكلام فيه في كتاب العلم في : باب من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( على أحد ) أي : غيري ، قال الكرماني : فإن قلت : الكذب على غيره أيضا معصية : * ( ومن يعض الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ) * ( النساء : 41 ) . قلت الكذب عليه كبيرة لأنها على الصحيح ما توعد الشارع عليه بخصوصه ، وهذا كذلك ، بخلاف الكذب على غيره فإنه صغيرة ، مع أن الفرق ظاهر بين دخول النار في الجملة وبين جعل النار مسكنا ومثوىً ، سيما وباب التفعيل يدل على المبالغة ، ولفظ الأمر على الإيجاب ، أو المراد بالمعصية في الآية : الكبيرة أو الكفر بقرينة الخلود . قوله : ( فليتبوأ ) أي : فليتخذ له مسكنا في النار . قوله : ( من ينح عليه ) ، بضم الياء آخر الحروف وفتح النون وسكون الحاء المهملة : من النوح ، وأصله يناح سقطت الألف علامة الجزم لأن : من ، شرطية . وقوله : ( يعذب ) على صيغة المجهول بالجزم لأنه جواب الشرط ، ويجوز فيه الرفع على تقدير : فهو يعذب ، وهذه رواية الأكثرين . ويروى : ( من نيح عليه ) بكسر النون وسكون الياء وفتح الحاء : على صيغة المجهول من الماضي ، وفي رواية الكشميهني : ( من يناح ) ، ووجهها أن تكون : من ، موصولة . وفي رواية الطبراني عن علي ابن عبد العزيز عن أبي نعيم بلفظ : ( إذا نيح على الميت عذب بالنياحة عليه ) . قوله : ( بما نيح عليه ) الباء للسببية ، و : ما ، مصدرية أي : بسبب النوح عليه ، وهو بكسر النون عند الجميع ، ويروى : ( ما نيح ) ، بغير الباء . قال بعضهم : على أن : ما ، ظرفية . قلت : في هذه الرواية تكون : ما ، للمدة أي : يعذب مدة النوح عليه ، ولا يقال : ما ، ظرفية ، ويجوز أن يكون ( بما نيح ) حالاً ، وما ، موصولة أي : يعذب ملتبسا بما ندب عليه من الألفاظ : يا جبلاه ، يا كهفاه ، ونحوهما على سبيل التهكم . ومما يستفاد منه : أن النوح حرام بالإجماع لأنه جاهلي ، وكان ، صلى الله عليه وسلم ، يشترط على النساء في مبايعتهن على الإسلام أن لا ينحن ، والباب دال على أن النهي عن البكاء على الميت إنما هو إذا كان فيه نوح ، وأنه جائز بدونه ، فقد أباح عمر ، رضي الله تعالى عنه ، لهن البكاء بدونه ، وشرط الشارع في حديث المغيرة أنه : ( يعذب بما نيح عليه ) يدل على أن البكاء بدونه لا عذاب فيه . ذكر الأحاديث الواردة في هذ الباب : وفي ( التوضيح ) : وفي الباب عن خمسة عشر صحابيا في لعن فاعله ، والوعيد والتبري ، ابن مسعود ، وأبو موسى ، ومعقل بن مقرن ، وأبو مالك الأشعري ، وأبو هريرة ، وابن عباس ، ومعاوية ، وأبو سعيد ، وأبو أمامة وعلي ، وجابر ، وقيس بن عاصم ، وجنادة بن مالك ، وأم عطية ، وأم سلمة . وذكرهم بالعد دون بيان من استخرج أحاديثهم ، فنقول وبالله التوفيق : أما حديث ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، عند البخاري على ما يأتي ، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة . وحديث أبي موسى عند البخاري أيضا على ما يأتي . وحديث معقل بن مقرون عند الكجي في ( السنن الكبير ) بسند صحيح عن عبد الله بن معقل بن مقرن : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرنة والشاقة جيبها واللاطمة وجهها ) . وحديث أبي مالك الأشعري عند مسلم من رواية أبي سلام : أن أبا مالك الأشعري حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالأنواء ، والنياحة . وقال : النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ) . ورواه ابن ماجة ، ولفظه : ( النياحة من أمر الجاهلية ، وأن النائحة إذا لم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران ودرعا من لهب النار ) . وحديث أبي هريرة عند الترمذي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية ليس يدعهن الناس : النياحة . . ) الحديث ، وتفرد به الترمذي . وحديث ابن عباس أخرجه ابن مردويه في ( تفسيره ) بإسناده عنه . * ( ولا يعصينك في معروف ) * ( الممتحنة : 21 ) . قال ( منعهن أن ينحن ، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ، ويخدشن الوجوه ، ويقطعن الشعور ، ويدعون بالثبور والثبور الويل . وحديث معاوية أخرجه ابن ماجة : خطب معاوية بحمص ، فذكر في خطبته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نهى عن النوح ) .